ابن حزم

26

رسائل ابن حزم الأندلسي

الرسالة عن الكتاب الثاني . ومنزع الاتهامات في الرسالتين واحد ، وإن كانت تلك الاتهامات في الرسالة السابقة أعم وأكثر وقد أديت بلهجة محاور هادئ نسبياً . أما في هذه الرسالة فإن من بعد امرؤ غاضب يعتمد الشتم والبذاء أكثر مما يعتمد الاحتجاج ، فهو يتهم ابن حزم بأنه مفتون جاهل أو متجاهل وأنه ينطوي على خبث سريرة وأنه قليل الدين ضعيف العقل قليل التمييز والتحصيل ، وأنه نبغ في آخر الزمان بعيداً عن القرون الأولى الممدوحة في وقت غلبت عليه قلة العلم وكثرة الجهل ( وفي هذا يشركه أيضاً الهاتف من بعد دون أن يدري ) وهو ينذره بضرورة التوبة فغن لم يفعل فإنه سيستعدي عليه أهل العلم في أقطار الأرض ليفتوا بآرائهم في من كان على مثل حاله ، ويختم ذلك داعياً أن يريح الله العباد والبلاد من ابن حزم أو يصلحه إن كان سبق ذلك في علمه . ومع أن هذا السيل من الهجاء يمكن أن يعد هراء لا يغير حقيقة ولا يثبت تهمة ، فإن ابن حزم جزأ أقوال هذا الهاتف في أربعة عشر موقفاً ، ورد على كل موقف ، حتى إن الهاتف حين قال " أنائم أنت أيها الرجل بل مفتون جاهل أو متجاهل " أجابه ابن حزم بهدوء شديد ، ملتزماً الفهم الحرفي الظاهري لما أورده ذلك الهاتف فقال : فما نحن ولله الحمد إلا أيقاظ إذا استيقظنا ونيام إذا نمنا ، وأما الفتنة فقد أعاذنا الله منها وله الشكر واصباً وأما وصفك لنا بالجهل فلعمري إننا لنجهل كثيراً مما علمه غيرنا ، وهكذا الناس ، وفوق كل ذي علم عليم ( الفقرة : 4 في الرسالة ) . وهذا السيل من الشتائم يدور حول تهمتين ترددنا في الرسالة السابقة : ( 1 ) أولاهما أن ابن حزم يطعن على سادة المسلمين وأعلام المؤمنين ويقذفهم بالجهل ، بل تخطى ذلك إلى الصحابة ، وقال إنهم ابتدعوا في الرأي وطعن عليهم وسفه آراءهم ، وذهب به الاعتداد بالنفس حداً بعيداً حين ظن أنه قد صح له ما لم يصح للصحابة ، ومن ثم فهو متناقض لأنه يدعو إلى عدم تقليد الصحابة ويحث أتباعه على تقليده . والرد على هذه التهمة سهل ، فابن حزم لم يطعن على أحد من أعلام المؤمنين وسادة المسلمين لا من الصحابة ولا ممن جاء بعدهم ، بل هو يأخذ دينه مما نقله هؤلاء عن الرسول ( ص ) ، وهو يعتقد انه أصح تقديراً للصحابة والأئمة السابقين لأنه جرى على سنتهم في رفض الرأي والقياس والتقليد ، وهو لا يتعصب لإمام على إمام كما يفعل